السيد علي الموسوي القزويني
506
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
المجازين وأشيعها وروداً في الكلام أولى وأرجح في مقام التعارض من الآخر ، ولذا لم يلتفت الأكثر إلى اتّصال الاستثناء هنا . وقد يقدّر الاستثناء في الآية على تقدير الانقطاع مع قراءة النصب في « تجارة » بأنّ المعنى إلّا أن تكون السبب تجارة عن تراضٍ ، ولعلّه لإرجاع ضمير الاسم إلى مرجع معنوي ينساق من السببيّة المفهومة من كلمة « البا » في قوله « بِالْباطِلِ » * بناءً على كونها سببيّة وتأنيثه حينئذٍ لرعاية المطابقة مع الخبر لا مع الاسم ، فيكون تقدير المستثنى والمستثنى منه في حاصل المعنى « لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب من الأسباب الباطلة إلّا أن يكون السبب تجارة عن تراضٍ » والأولى ما تقدّم في كلام المفسّر فليتدبّر . وقد يستدلّ على القول المختار بوجهين آخرين : أحدهما : قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » « 1 » بتقريب أنّ المعاطاة عقد كما تقدّم في الجهة الأولى فيشملها عموم الآية ، نظراً إلى أنّ وجوب الوفاء بالعقد فرع على صحّته وإفادته الملكيّة . وهذا في ظاهر النظر لا يخلو عن وجه خصوصاً بملاحظة ما قرّرناه في رسالتنا المنفردة لتأسيس أصالة الصحّة في العقود من وجه دلالة الآية على ذلك الأصل ، وملخّصه : أنّ كلًاّ من المتعاقدين يربط ماله بصاحبه ويجعله بالقصد والنيّة ملكاً له في عوض ماله ، ومقتضى هذا الربط على حسب ما يجعلانه حصول الارتباط وهو صيرورة مال كلّ ملكاً لصاحبه ، والشكّ في صحّة عقد وفساده راجع إلى حصول ذلك الارتباط في الواقع وعدمه ، باعتبار الشكّ في إمضاء الشارع للربط المذكور على حسب ما جعله المتعاقدان وعدمه ، غير أنّه لو حصل فمقتضاه أن يجب على كلّ منهما أن يدفع ماله إلى صاحبه ويمكّنه من التصرّف فيه ولا يحول بينه وبين التصرّف فيما دخل في ملكه . وهذا كلّه ما يعبّر عنه بالقيام بمقتضى العقد الّذي يعبّر عنه بالوفاء والإيفاء ، فإنّ معناه القيام بمقتضى العقد بالمعنى المذكور فقوله « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » أمر بالوفاء بكلّ عقد بهذا المعنى ، والوجوب المستفاد من الأمر يلازم حصول الارتباط في الواقع ، فالأمر به
--> ( 1 ) المائدة : 1 .